العيني

107

عمدة القاري

هذا الحديث أخرجه الدارقطني ثم البيهقي في ( سننيهما ) عن جابر الجعفي عن الشعبي . وقال الدارقطيني : لم يروه عن الشعبي غير جابر الجعفي وهو متروك ، والحديث مرسل لا تقوم به حجة . وقال عبد الحق في ( أحكامه ) : ورواه عن الجعفي مجالد وهو أيضاً ضعيف . الثاني : أنه كان مخصوصاً بالنبي وفيه نظر ، لأن الأصل عدم التخصيص حتى يدل عليه دليل كما عرف في الأصول . الثالث : يحمل قوله : ( فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً ) على أنه إذا كان الإمام في حالة الجلوس فأجلسوا ولا تخالفوه بالقيام ، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً : يعني إذا كان في حالة القيام فقوموا ولا تخالفوه بالقعود ، وكذلك في قوله : ( فإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ) . ولقائل أن يقول : لا يقوى الاحتجاج على أحمد بحديث عائشة المذكور أنه عليه الصلاة والسلام ، صلى جالساً والناس خلفه قيام ، بل ولا يصلح لأنه يجوز صلاة القائم خلف من شرع في صلاته قائماً . ثم قعد لعذر ، ويجعلون هذا منه ، سيما وقد ورد في بعض طرق الحديث أن النبي أخذ في القراءة من حيث انتهى إليه أبو بكر رضي ا تعالى عنه ، رواه الدارقطني في ( سننه ) وأحمد في ( مسنده ) . فإن قلت : قال ابن القطان في كتابه ( الوهم والإيهام ) : وهي رواية مرسلة ، فإنها ليست من رواية ابن عباس عن النبي وإنما رواها ابن عباس عن أبيه العباس عن النبي ، كذا رواه البزار في ( مسنده ) بسند فيه قيس بن الربيع وهو ضعيف ، ثم ذكر له مثالب في دينه . قال : وكان ابن عباس كثيراً ما يرسل . قلت : رواه ابن ماجة من غير طريق قيس ، فقال : حدّثنا علي بن محمد ، حدّثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس : ( لما مرض رسول ا . . . ) فذكره إلى أن قال : ( قال ابن عباس : وأخذ رسول الله في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر رضي ا عنه ) . وقال الخطابي : وذكر أبو داود هذا الحديث من رواية جابر وأبي هريرة وعائشة ، ولم يذكر صلاة رسول الله آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام ، وهذا آخر الأمرين من فعله ، ومن عادة أبي داود فيما أنشأه من أبواب هذا الكتاب أن يذكر الحديث في بابه ، ويذكر الذي يعارضه في باب آخر على إثره ، ولم أجده في شيء من النسخ فلست أدري كيف غفل عن ذكر هذه القصة وهي من أمهات السنن ، وإليه ذهب أكثر الفقهاء . قلت : إما تركها سهواً أو غفلة أو كان رأيه في هذا الحكم مثل ما ذهب إليه الإمام أحمد ، فلذلك لم يذكر ما ينقضه . وا تعالى أعلم . ومنها : أن في قوله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) دليلاً على وجوب المتابعة للإمام في الأفعال حتى في الموقف والنية . وقال الشافعي وطائفة : لا يضر اختلاف النية ، وجعل الحديث مخصوصاً بالأفعال الظاهرة . وقال أبو حنيفة ومالك : يضر اختلافهما ، وجعلا اختلاف النيات داخلاً تحت الحصر في الحديث . وقال مالك : لا يضر الاختلاف بالهيئة بالتقدم في الموقف ، وجعل الحديث عاماً فيما عدا ذلك . ومنها : أن أبا حنيفة احتج بقوله : ( فكبروا ) على أن المقتدي يكبر مقارناً لتكبير الإمام لا يتقدم الإمام ولا يتأخر عنه ، لأن : الفاء ، للحال . وقال أبو يوسف ومحمد : الأفضل أن يكبر بعد فراغ الإمام من التكبير ، لأن الفاء للتعقيب وإن كبر مع الإمام أجزأه عند محمد رواية واحدة ، وقد أساء . وكذلك في أصح الروايتين عن أبي يوسف ، وفي رواية : لا يصير شارعاً ، ثم ينبغي أن يكون اقترانهما في التكبير على قوله كاقتران حركة الخاتم والإصبع ، والبعدية على قولهما ؛ أن يوصل ألف : ا ، براء : أكبر ، وقال شيخ الإسلام خواهر زاده : قول أبي حنيفة أدق وأجود ، وقولهما أرفق وأحوط ، وقول الشافعي كقولهما . وقال الماوردي ، في تكبيرة الإحرام قبل فراغ الإمام منها : لم تنعقد صلاته ولو ركع بعد شروع الإمام في الركوع ، فإن قارنه أو سابقه فقد أساء ولا تبطل صلاته ، فإن سلم قبل إمامه بطلت صلاته إلاَّ أن ينوي المفارقة ففيه خلاف مشهور . ومنها : أن الفاء في قوله : ( فاركعوا ) وفي قوله : ( فاسجدوا ) تدل على التعقيب وتدل على أن المقتدي لا يجوز له أن يسبق الإمام بالركوع والسجود حتى إذا سبقه فيهما ولم يلحقه الإمام فسدت صلاته . ومنها : أن فيه استحباب العبادة عند حصول الخدشة ونحوها . ومنها : أن فيه جواز الصلاة جالساً عند العجز . وا أعلم . 91 ( ( بابٌ إذَا أصابَ ثَوْبُ المصَلِّي امْرَأَتَهُ إذَا سَجَدَ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه إذا أصاب ثوب المصلي امرأته وهو في حالة السجود ، هل تفسد صلاته أم لا ؟ وظاهر حديث الباب يدل على صحة الصلاة ، وكانت عادة البخاري أن يأتي بمثل هذه العبارة في التراجم إذا كان في الحكم اختلاف ، وهذا الحكم